اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

386

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

والآن وقد فرغنا من الكلام على جميع هذه المصنفات التي لا تخلو أحيانا من الأهمية والفائدة في محيطها فإنه يجب ألا يغيب عن بالنا بأنها ليست هي التي تمثل الطابع المميز للأدب الجغرافي العربي بمصر في ذلك العصر إذ أن شرف هذا يعود إلى سلسلة الموسوعات التي ظهرت إلى عالم الوجود في ذلك العهد بالذات والتي سنتحدث عنها في الفصل التالي لهذا . وفي الوقت نفسه - - تقدم لنا الشام عالمين يختتمان بجدارة هذا العصر ويحتلان إلى جانب أصحاب الموسوعات المكان الأول من بين مجموعة الكتّاب الذين لا يمكن تجاهلهم في عرض عام للأدب الجغرافي عند العرب . وكلا هذين المؤلفين لا ينتميان إلى الوسط الذي انتمى إليه الكتاب المصريون الذين ورد ذكرهم قبل قليل ؛ وأولهما وهو شمس الدين محمد بن أبي طالب الدمشقي ولد في سنة 654 ه - 1256 24 أي قبل استيلاء هولاكو على بغداد بعامين فهو بهذا قد كان معاصرا منذ طفولته لسيل الحوادث الذي اجتاح العالم الإسلامي . وفي عام 1260 الحق السلطاني بيبرس هزيمة نكراء بالمغول في الشام فوضع بذلك حدا لتهديدهم لمصر ووثق العرى بين مصر والشام اللتين ظلتا طوال عهد المماليك خاضعتين لإدارة واحدة ؛ كما كان المغرب بدوره في ذلك العهد مسرحا لحوادث كبرى فمنذ عام 1264 لم يبق تحت السيادة العربية بأسبانيا سوى غرناطة . هذا وقد أمضى الدمشقي معظم حياته بمسقط رأسه دمشق إماما بمسجد الربوة ، ولقب بالصوفي لميوله التصوفية . ويبدو أن هذه الميول هي المسئولة عن اعتزاله العالم في أواخر أيام حياته وإقامته بناحية من أعمال فلسطين حيث عاش عيشة الزهاد إلى وفاته في عام 727 ه - 1327 ، أي قبل وفاة أبى الفدا بأربعة أعوام . وعلى الرغم من جنوحه إلى التصوف إلا أنه خلف وراءه عددا كبيرا من المؤلفات يكشف بعضها عن اهتمام ومعرفة جيدة بالعلوم الدنيوية ؛ وأكثرها شهرة وأهمية بالنسبة لنا هو كتابه في الكوزموغرافيا « نحنة ؟ ؟ ؟ الدهر في عجائب البر والبحر » . وعلى نحو ما سنرى فإن طريقة تصنيفه للمادة تكاد تنطبق على طريقة القزويني 25 إلا أنه لا يكررها دون تدبر . وينقسم الكتاب إلى تسعة أبواب يشغل الأول منها المقدمة التقليدية في شكل الأرض ووصف الأقاليم السبعة وفصول السنة وبعض الآثار القديمة ، أما الفصل الثاني فيحث في المعادن والجواهر والأحجار الكريمة بينما يصف الثالث الأنهار والعيون والآبار التي تناقل ذكرها التاريخ ؛ والباب الرابع مكرس للكلام على البحار أما الخامس فيتحدث عن البحر الأبيض المتوسط خاصة ويتضمن وصفا مفصلا لميناء الإسكندرية بينما يعالج السادس الكلام على « بحر الجنوب » ( أي المحيط الهندي ) . أما اليابس فقد أفرد له البابان السابع والثامن فيرد في أولهما الكلام عن « الممالك المشرقية » ابتداء من الشرق الأقصى في اتجاه الغرب وذلك على ثلاث مناطق متوازية تشمل الهند وإيران - - والشرق الأدنى ؛ ويعالج الثاني الكلام على القسم العربي من الأرض « الممالك المغربية » فيبدأ بوصف مصر